محمد بيومي مهران

49

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

الرجل لم يكن شافعا له ، في نظر كتبة التوراة ومن لفّ لفّهم ، في دحض هذه الغيرة ، أنه كان زوج أجمل سيدة في مجتمع الهكسوس ، ولكن ما الحيلة وصاحب سفر التكوين من التوراة إنما يرى أن حاشية القصر كانت كلها من الخصيان ، حتى لنجده كذلك يصف رئيس سقاة الملك ورئيس خبازية بأنهما من الخصيان « 1 » . غير أن الصديق ، عليه السلام ، إنما تعرض في أخريات أيامه في قصر العزيز إلى امتحان رهيب ، بدأت به المحنة الثانية في حياته ، وهي أشد من المحنة الأولى ، تجيئه وقد أوتي صحة الحكم ، وأوتي العلم ، ليواجهها وينجو منها جزاء إحسانه الذي سجله اللّه تعالى في قرآنه ، وذلك حين راودته امرأة العزيز عن نفسه ، لأنها افتتنت بحسنه فأحبته ، وليس لها ما يردعها من خوف زوجها عن خيانته ، لأنها تملك قيادة كما يشاء هواها ، شأن ربات القصور المترفات اللائي أفسدت طباعهن الحرية والفراغ ، وكادت له لما رفض أن يستجيب ، لأن لها من نفاذ الكلمة ومن السلطان على زوجها ما مكنها من الانتقام ، رغم ما عرف زوجها من آيات صدقه « 2 » . وإلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله تعالى وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ ، وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ ، قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ، وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها ، لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ « 3 » ، ويقول الأستاذ سيد قطب « 4 » ، طيب اللّه ثراه ، إن هذه الدعوة السافرة الجاهرة من امرأة العزيز ، لا تكون

--> ( 1 ) تكوين 40 / 2 . ( 2 ) التهامي نفرة : المرجع السابق ص 512 . ( 3 ) سورة يوسف : آية 23 - 24 ، وانظر : تفسير الطبري 16 / 24 - 50 ، تفسير ابن كثير 4 / 306 - 309 ، تفسير المنار 12 / 227 - 235 ، تفسير القرطبي ص 3391 - 3399 . ( 4 ) في ظلال القرآن 4 / 1980 - 1981 ( بيروت 1982 ) .